محمد حسين علي الصغير
112
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
تلقائية تغني عن ذكر المحدث جل شأنه ، بما أودع سبحانه في الأرض من قوة التسخير لما يريد لها ، وهنا أيضا مباغتة ، لا يدري معها الإنسان يوم القيامة ، وتركيز للانتباه في أخذ الرجفة بحركة تلقائية ، صائرة إلى ما سخرت له « 1 » . في هذا المناخ يتيقظ العقل ، ويصحو الضمير ، وتتحرك العواطف ، مستفيدة العظة والعبرة والإقلاع عن الغي ، وكل ذلك من خصائص المجاز العقلية ، لأن فيه توجها للحدث ذاته كما في قوله تعالى : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ( 15 ) « 2 » إذ اعتبر المتوفى هو الموت ، والموت لا يتوفى ، لأن المتوفى هو ملك الموت بأمر اللّه تعالى ، وهو المتوفي الحقيقي « فنقل الفعل إلى الموت على طريق المجاز والاتساع ، لأن حقيقة التوفي هو قبض الأرواح من الأجسام » . « 3 » ولكنه طوى ذكر الفاعل الحقيقي في هذا المجال ، تأكيدا على حقيقة الموت وطواعية حدوثه ، فكأنه يحدث ذاتيا ، ويقع تلقائيا ، وفي ذلك كبح للنفوس ، وتهيؤ للمدارك ، وضبط للشهوات . وما يقال هنا يقال بالنسبة لقوله تعالى : 7 / / 9 « 4 » وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 ) « 4 » فنسبة الخسران إلى النفوس ، وإضافته إليها من المجاز العقلي ، واستعمل له التنظير الحسي لتحريك العقل الإنساني من غفلته ، فعمره بضاعة ، ومراد البضاعة الربح ، فمن تعرض لخسران هذه البضاعة حسيا ، كمن خسر عمره وأضاعه عقليا ، وقد نبه السيد الشريف الرضي على هذا الملحظ فقال : « لأن الخسران في التعارف إنما هو النقص في أثمان المبيعات ، وذلك يخص الأموال لا النفوس ، إلا أنه سبحانه لما جاء بذكر الموازين
--> ( 1 ) ظ : بنت الشاطئ ، التفسير البياني : 1 / 116 . ( 2 ) النساء : 15 . ( 3 ) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 127 . ( 4 ) الأعراف : 9 .